
يتناول هذا المقال الشهادة السجنية بوصفها فعلًا يتجاوز جمعَ المعلومات أو بناء الأرشيف، ليقاربَها كحدث معرفي وأخلاقي يتشكّل داخل علاقة غير متكافئة بين الشاهد والموثّق. ومن خلال مساءلة حدود التوثيق وإشكاليات السُلطة والذاكرة والزمن، يسعى هذا النص إلى التفكير النقدي في معنى الشهادة السِجنية في سياق الاعتقال السياسي السوري، بعيدًا من اختزالها في وظيفتها القانونية أو السردية، بهدف جعلها جزءًا من التجربة الإنسانية كما عيشت ورُويت.
الهدفُ الأساسي من التوثيق وتسجيل الشهادات السِجنية ليس جمعَ المعلومات فقط أو بناء أرشيفٍ ميت عن تجربة الاعتقال، بل إتاحة الفرصة للمعتقلين للحديث عن معاناتهم وتجاربهم وواقعهم كما عاشوه. فالشهادة، في هذا السياق، ليست مادةً معلوماتية تُضافُ إلى قاعدة بيانات، ولا رواية تُستحضَر فقط لإثباتِ واقعةٍ أو دعم سردية سياسية أو قانونية فحسب، بل هي حدثٌ معرفيّ وأخلاقيّ معقّد يتشكّل داخل علاقة غير متكافئة، ابتداءً، بين الشاهد والموثّق.
تحملُ هذه العلاقة في طيّاتها إشكالياتٍ مرتبطة، بالدرجة الأولى، بسُلطة الوثيقة، حتى وإن كانت محكومةً بنِيّات تضامنية أو إنسانية، وغايات سامية مرتبطة بالعدالة الانتقالية، ما يفرض مساءلةً دائمة لطبيعة هذا الفعل وحدوده.
فالشهادة، على المستوى المعرفي، غير قابلة للتحقُق بالمعنى التجريبي الكامل، وليس ذلك نقيصةً، إنما جزءٌ من طبيعتها. إذ تفترضُ التجريبيةَ كنموذج معرفي، ومثالُها العلوم الطبيعية، التكرار والضبط واستخلاص القوانين العامة. غير أنَّ التجربة الإنسانية، ولا سيما في سياق التعذيب والحالة السِجنية المرتبطة به، بوصفها حدثًا فريدًا ومركزُها الجسد، غيرُ قابلة للتكرار أو القياس أو التعميم من دون تشويه يطالُها، أو تحوير، أو تشييء. يُضاف إلى ذلك بُعدٌ زمنيّ يفرضُ تحدياتِه، فالشهادة ليست مجرد نقل لتجربة مكتملة ومغلقة على الماضي، بل هي عملية تشكِّل للمعنى أثناء الكلام نفسه، أو لدى الكتابة.
فالشاهدُ لا يستحضرُ التجربة كما لو كانت شريطًا مسجّلًا، بل يعيدُ بناءها في لحظةِ السرد، تحت تأثير الذاكرة، اللغة، الحالة النفسية الراهنة، والعلاقة مع الموثّق. فالمعنى هنا ليس سابقًا على الشهادة، بل يتولَّد منها، ويتغيّر بتغيِّر سياقها وشروطها.
أمّا على المستوى الأخلاقي، فتبرزُ إشكالية ملكية الشهادة أو ممارسة السُلطة تجاهها، إذ أنَّ التوثيق، بطبيعته، ليس فعلًا محايدًا، مهما حاولَ أنْ يبدو كذلك، بل إنَّ في هذه المحاولة نفسها فعلًا غير محايد. فعند الطلب من أحد المعتقلين السابقين سرد ما كان يحدث في المعتقل، فإنَّ الطلب، رغم بساطته الظاهرية، ينطوي على افتراضاتٍ مسبقة تتعلّق بالزمن، الذاكرة، القدرة على الاسترسال، استحضار الألم، وإعادة استدعاء مشاعر قد تكون ما تزال حيّة ومؤلمة.
هنا تبرز مسؤولية الموثّق في عدم تحوّله إلى سُلطة خفيّة: سُلطة تحدّد ما هو مهم وما هو ناقص، ومتى يجب الاستمرار أو التوقّف، وسُلطة ترسم لصاحب التجربة السِجنية المسارات التي يمكن أنْ يسلكها حتى تصل شهادته إلى الشكل الذي يجعلها وثيقةً قابلة للاستخدام.
فالتوثيق، في سعيه إلى رسم صورة شاملة عن الواقع السِجني بشكل عام، والواقع الذي عاشه كل معتقل على حدة، يظل مُحاطًا بإشكاليات العلاقة مع التاريخ، المعرفة، الذاكرة، والسُلطة. ولا يقتصر الأمر على الشهادات الشفوية فحسب، بل يشمل أيضًا ما يكتبه المعتقلون أنفسهم في ما يُعرَف بالمذكّرات السِجنية أو أشكال الذاكرة السِجنية المختلفة. وحتى عندما تنطلق عملية الكتابة أو التوثيق من نيّةٍ ذاتية لدى المعتقل في كتابة تجربته أو توثيقها وحفظها، يبقى اختيارُ ما يُروى، وطريقة تنظيم التجربة، والغاية التي تُقدَّم من أجلها، محكومًا بسياقات أوسع.
كذلك، فإنَّ الأسئلة التي يطرحها الموثّق، أو الإطار الذي تُستقبل فيه الشهادة، كلّها عناصر قد تُعيد إنتاج علاقةِ هيمنة، حتى في سياقات تبدو إنسانية أو تضامنية.
فلحظة أخذ الشهادة، سواء جرى تصويرُها بصريًا، أو تسجيلُها سمعيًا، أو توثيقُها كتابة، تفرض وعيًا حادًا بالحدود بين التوثيق والتدخُّل. من الضروري أنْ يدرك الموثّق أنه لا يمارسُ دور المعالج النفسي، ولا الناصح أو صاحب الحلول، وأنَّ هناك حدودًا لا يجوز تجاوزها. ويقتضي هذا الوعي احترامَ طاقة الشخص وقدرته على المشاركة، والانتباه إلى اللحظة التي يصبح فيها الاستمرار عبئًا نفسيًا. فعدم الضغط، احترام التوقّف، والإقرار بحق الصمت وعدم السعي إلى تأويله، كلها شروطٌ أساسية للحفاظ على كرامة الشاهد وصوْن حالته النفسية.
وفي سياق رواية ماضي التعذيب أو ما بعد الاعتقال، تعملُ الذاكرة والمخيَّلة بآليات مختلفة. فالذاكرة السِجنية لا تستعيد الوقائع كما حدثَت فحسب، بل تعيدُ تركيبها تحت تأثير الصدمة، الزمن والانقطاع القسري عن العالم. قد تظهر فجوات، أو تكرارات، أو تشويشٌ زمني، أو صور مكثّفة تختصرُ تجربة كاملة في تفصيل واحد؛ وقد تطفو سردياتٌ وتأويلات ينطلقُ فيها المعتقل السابق من تفصيل واحد لبناء معنى أوسع. ولا يمكن إخضاع هذا الاشتغال بالكامل لمبادئ التحليل النفسي أو لمطلب الاتساق السردي الكامل، بل ينبغي فهمُه بوصفه استجابة إنسانية طبيعية لتجربة قصوى تتجاوزُ قدرة الفرد على الاستيعاب، وتجربة يُراد لها، في أصلها، تقويضُ الإحساس بالزمن والاتساق.
ومن هذا المنطلق، يظهرُ أنَّ اكتمال الشهادة يظل مرتبطًا بما تسمحُ به التجربة الإنسانية، والذاكرة، والظروف النفسية، وبقدر ما تمتلكُ ثقافةُ التوثيق نفسها من حساسيةٍ وفهم لمعنى التجربة الإنسانية. فاكتمال الشهادة هنا لا يعني شمولها أو نهائيتها، بل صدقها بوصفها تعبيرًا عن تجربة فردية محدّدة بحدودها، وانكساراتها وتناقضاتها.
ومن المهم التأكيد على أنَّ كل شهادة لا تشبه الأخرى؛ فكل جملة، وكل تفصيل صغير، يحمل في طيّاته قصةً قائمة بذاتها، كبيرةً كانت أم هامشية، في معناها الإنساني. وهنا تكمنُ مهمة التوثيق في الإصغاء إلى التفاصيل دون اختزالها، وفي مقاومة إغراء بناء سردية كلية تُذيب فرادة الذَوات.
لا يقتصر أثر الشهادة السِجنية على الشاهد وحده، بل يمتدّ أيضًا إلى الموثِّق الذي يجد نفسه، بحكم موقعه، في تماسّ متكرر مع تجارب قصوى من العنف والألم. فالإنصاتُ المتواصل لشهادات الاعتقال والتعذيب لا يتمّ من موقع محايد أو معزول، بل يتركُ أثره على الموثِّق نفسيًا ومعرفيًا، ويضعُه أمام حدود قدرته على الفهم والتحمّل. وقد تتجلّى هذه الآثار في أشكالٍ مختلفة، مثل الإرهاق العاطفي، أو الشعور بالعجز، أو التوتّر الأخلاقي، أو إعادة مساءلة الذات ودورها ومعنى الفعل التوثيقي نفسه.
من هذا المنطلق، لا يمكنُ النظر إلى الموثِّق باعتباره مجرَّد وسيطٍ تقني، بل بوصفه فاعلًا يتحمَّلُ مسؤولية معرفية وأخلاقية مستمرة. فالاعترافُ بتأثّر الموثِّق لا يعني مساواته بالشاهد أو تحويله ضحيةً موازية، بل يندرجُ ضمن شروط ممارسةٍ توثيقية مسؤولة تحمي العمل من التبلُّد أو من اختزال الشهادة إلى مادةٍ قابلة للاستهلاك أو الاستخدام الأداتي. كما يفرضُ هذا الوعي ضرورة تطوير ممارسات داخل فِرَق التوثيق تقوم على المراجعة الذاتية والدعم المتبادل، وتتيح تفريغَ الأثر المتراكم، والحفاظ على مسافة نقدية تحول دون إعادة إنتاج العنف الرمزي أو علاقات الهيمنة المعرفية.
لا تنتهي الأسئلة الأخلاقية المتعلّقة بالشهادة السِجنية عند لحظة توثيقها، بل تمتدُّ إلى طرق استخدامها، وإعادة تداولها، وإدماجها ضمن الأرشيف السِجني أو توظيفها في سياقات بحثية، إعلامية أو حقوقية. فكل انتقال للشهادة من سياقِها الأول إلى فضاء جديد ينطوي على تحوُّل في معناها ووظيفتها، وقد يفتح المجالَ أمام قراءات أو استخدامات تتجاوز ما قصدهَ الشاهد أو ما وافقَ عليه ضمنيًا أو صراحةً. من هنا تبرزُ مسؤولية المؤسسات والجهات التي تحتفظ بهذه الشهادات في التعامل معها بوصفها موادَ حيّة، مرتبطة بذَوات وتجارب لم تُغلق، لا بوصفها وثائقَ مكتملة قابلة للفصل عن أصحابها أو عن شروط إنتاجها.
يفرض هذا الفهمُ الأخلاقي إعادةَ النظر في مفاهيم مثل الإتاحة، الملكية، إعادة الاستخدام، والتمثيل. فإتاحة الشهادات لا تعني بالضرورة تعميمَ الوصول غير المشروط إليها، كما أنَّ تحويلها إلى مواد قابلة للاقتباس أو التجزئة قد ينطوي على خطرِ اجتزاء التجربة أو إعادة تأطيرها ضمن سرديات لا تعبِّر عن تعقيدها. كذلك فإنّ الجمع بين الشهادات السِجنية وغيرها من الوثائق ضمن أرشيف واحد قد يوجِدُ وَهْم الاكتمال أو الاتساق التاريخي، في حين أنَّ الأرشيف السِِجني بطبيعته مجزّأ، متصدّع، ومفتوح على النقصان.
وعليه، لا بدَّ من التعامل مع الأرشيف السِجني بوصفه مساحة مسؤولية أخلاقية مستمرة، تتطلّبُ وضوحًا في شروط الاستخدام، وحساسية في التمثيل، ومساءلة دائمة للغايات التي تُستدعَى الشهادات من أجلها، ولا سيّما في السياقات التي تشهد تحوّلاتٍ سياسية جذرية تتدفّق فيها الوثائق إلى الفضاء العام على نحو مفاجئ، وتُنتزَع الشهاداتُ من سياقاتها الأصلية، وتدخلُ في تداولٍ غير منضبط يخلطُ بين الرغبة في كشف الحقيقة، واندفاعِ التوثيق، ومخاطر الفقدان أو الاستعمال الاعتباطي لموادَ لم تُستكمل شروطُ حمايتها أو مساءلتها الأخلاقية بعد، بما يمنعُ تحوّل الأرشيف إلى أداةِ هيمنة رمزية أو استهلاك سردي، حتى حين تكونُ النيّات إنسانية أو حقوقية.
أمّا من حيث علاقتها بالمحاسبة والتاريخ، فتظل الشهادة فعلًا مفتوحًا على المستقبل. قد تكون ضرورية للمساءلة، لكنها لا تُكمِلُ الصورة ولا تُغلقُ المعنى. فالعمل على الشهادات مسارٌ طويل وممتد، يتراكم عبر الزمن، ويتغيَّر بتغيُّر السياقات والأسئلة. وعدم اكتمال الشهادات أو تعثّر وصولها إلى غاياتها السياسية في مسارات المساءلة ليس نقصًا في الجهد، إنَه اعترافٌ بحدود المعرفة: الموثِّق قدَّم ما يملك، والمعتقل قدَّم شهادته بقدر ما استطاع، لكن واقع التجربة السِجنية وندوبها يظلان أبعدَ من الإحاطة الكاملة، وأقوى من الاختزال أو الإغلاق، حتى حين تكون العدالةُ الهدف؛ وشرط العدالة الأساسي هو شموليتها بحيث لا تكون ظلمًا وإمعانًا في اعتقال انسانية الشاهد مرّة أخرى.