
بعد مرور سنة على سقوط النظام الأسدي في سوريا يكثرُ الحديث عن فتحِ صفحة جديدة، والانطلاق نحو سوريا الجديدة في ظل تسامح أبناء الشعب السوري وتعاضدهم.
في ظل هذا الجو الإنساني، لا يجب نسيان، لا بل يجب ترسيخ مفهوم حفظ الحقوق والمساءلة، وصولاً إلى المصارحة والمحاسبة. فالمسامحة، وهي من خطوات العدالة الانتقالية، هي أفضل طريق للشفاء من جروحات الحرب السورية وإقفال باب عذابات أهالي قتلى ومعتقلي ومفقودي هذه الحرب التي بدأت بثورة بيضاء قادها الشعب السوري للخلاص من طاغية ابن طاغية، هو بشار حافظ الأسد، وكلّفت دماء وتضحيات وعذابات وتهجير، وجعلت الشعب السوري على مدار 15 عاماً عرضة لكل أشكال التنكيل والفظائع والعنصرية وصولاً إلى الإبادة الجماعية التي تعرَّضت لها الكثير من المناطق السورية.
ومن باب النصح والتذكير، وكي لا تتكرر مأساة ما زال كثيرون من أبناء الشعب اللبناني يعيشونها، وخاصة أهالي المفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان، وجَب عرض التالي:
بعد نهاية الحرب اللبنانية في عام 1990 بإسقاط حكومة الرئيس ميشال عون ونفيه إلى فرنسا، قام المجلس النيابي اللبناني بخطيئة وجريمة على حساب دماء اللبنانيين عذاباتهم ومآسيهم، ولا سيما أولئك المفقودين والمخفيين قسرًا. فقد أصدرَ هذا المجلس المعيّن بعض أعضائه بفعل ملء الشغور قانونًا للعفو العام في 26 آب 1991 عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، منهيًا بهذا الأمر إمكانية الوصول إلى الحقيقة والعدالة، مقفلًا أي أمل للذين تعرضوا للانتهاكات في الحرب الأهلية اللبنانية بالحصول على حقوق؛ وبهذا العفو قضى النواب على إمكانية معرفة مصير المفقودين والمخفيين قسرًا وأبقوا آلام عائلاتهم وحيرتها.
ساهم هذا القانون بتسيُّد من كانوا أمراء حرب الساحة السياسية، ومن كانوا عناصر ميليشيات استباحوا الدولة والإدارات العامة، وعملوا على طمس أي مجال أو امكانية للعمل على ذاكرة الحرب، مقفلين كل أبواب إنشاء الذاكرة، وساعين إلى إضعاف مؤسسات الحفظ والتأريخ والذاكرة. كما عملوا على تهميش أهالي ضحايا الحرب وصولاً إلى التنكيل بهم وتمييع قضيتهم، ولا سيما ما يتعلق بالمفقودين والمخفيين قسرًا، وهي الملفات التي لا يمكن إقفالها إلا بعد وفاة ذوي المفقود، فاستمر ذوو المفقودين بمحاولة معرفة مصير أبنائهم، وسط عدم اهتمام واكتراث من تسلموا السلطة آنذاك. واستمرَّ هذا الأمر سنين وسنين، من لجان الاستقصاء ومعرفة المصير إلى اللجنة الأمنية والقضائية واللجان المشتركة ولجان ولجان، ومن مشروع قانون إلى آخر. واستمرت عملية التمييع والتهميش حتى عام 2020 أي بعد 30 سنة من انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية، فأنشئت الهيئة الوطنيّة المستقلّة للمفقودين والمخفيّين قسرًا بموجب المادّة التّاسعة من القانون 105/2018، وتشكّلت بموجب المرسوم 6570 الصادر بتاريخ 3 تموز/يوليو 2020 وتعديلاته. هي ذات ولاية إنسانيّة، تُعنى بقضية المفقودين والمخفيّين قسرًا دون تمييز، مع التّمسّك بحقّ عائلاتهم في معرفة مصيرهم، والامتثال لِمعايير حقوق الإنسان والمواثيق الدوليّة والوطنيّة ذات الصّلة، بعيداً من المسؤوليّات والأحداث والسرديّات المختلفة لِفصول الحرب في لبنان والنزاعات اللّاحقة. حدّد القانون 105/2018 أنَّ الهيئة الوطنيّة تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة والاستقلال المالي والإداري ويؤدّي أعضاؤها وفريق عملها مهامهم باستقلال كامل عن أيّة سلطة أخرى في إطار أحكام هذا القانون. وتحدد المادة 26 من القانون 105/2018 مهماتها في تأمين الحقوق وتنفيذ الموجبات المحدّدة في القانون 105، لاسيّما عبر الكشف عن مصير المفقودين والمخفيّين قسرًا وإعلام أهاليهم بانتظام بشأن الإنجازات والتحدّيات، وتقفي أثر الرفات البشريّة وتسليمها إلى ذويها. ولها من أجل ذلك القيام بجميع الأعمال التي تراها ضروريّة.
اعتُبر هذا القانون وإنشاء الهيئة إنجازًا، ولكنه أتى بعد 30 سنة من انتهاء الحرب كجائزة ترضية؛ والقانون والهيئة بطبيعة الحال إطاران شكليان في ظل استمرار قانون العفو الذي أقر عام 1991.
ومن هنا، وكي لا تدخل قضية المفقودين والمخفيين قسرًا في سوريا في متاهات وزواريب السياسة كما حصل في لبنان. كانت خطوة الرئاسة السورية بإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين لتكلَّف بالكشف عن مصير «آلاف» من المفقودين والمخفيين قسرًا، بعد أكثر من خمسة أشهر على الإطاحة بحُكم بشار الأسد. وأتى تشكيل الهيئة في مرسوم رئاسي حمل الرقم 19 وقعه الرئيس أحمد الشرع، وفيه أنه «حرصًا على كشف مصير آلاف المفقودين في سوريا وإنصاف ذويهم»، تؤلف «الهيئة الوطنية للمفقودين»، وتكلَّف «البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم».
لا شك أنَّ تشكيل هذه الهيئة يُعتبر الباب الأفضل والأسلم لعملية الكشف عن مصير الآلاف المؤلَّفة من المفقودين والمخفيين قسرًا والمعتقلين في سجون نظام الأسد. ولا بد أن يترافق عملها مع قوانين تساعد في ترسيخ خطواتها وإعطاء قراراتها الصفة الإلزامية، ولا شك أنَّ إنشاء قاعدة بيانات فعّالة تساعد في تقاطع المعلومات والوصول إلى نتائج مرجوة ودقيقة في عملية البحث عن هؤلاء الضحايا ومعرفة الحقيقة.
إنَّ تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا خطوة أساسية في مجال التفاعل والتكامل مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية التي أنشأتها الأمم المتحدة بتاريخ 29 حزيران 2023، ويُعتبر الاجتماع الذي عُقد في 1 كانون الأول/ديسمبر 2025 بداية إطار عمل مشترك، حيث عقدت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، بالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين، اجتماعًا للخبراء بهدف تعزيز الجهود المشتركة في البحث عن المهاجرين وطالبي اللجوء المفقودين. جمَع الاجتماع جهات رائدة، بما في ذلك فريق الطب الشرعي الأنثروبولوجي الأرجنتيني، مجلس أوروبا، النيابة العامة - إيطاليا، الشرطة - اليونان، اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المنظمة الدولية للهجرة، رابطة عائلات المفقودين على طريق اللجوء، مركز سيدار للدراسات القانونية، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، وشارك الحضور خبراتهم في تطوير استراتيجية مشتركة لمعالجة الأبعاد العابرة للحدود لحالات الاختفاء، وضمان أن تبقى أصوات الأُسَر في صميم العمل. وتمثَّلت أهداف الاجتماع في تعزيز التنسيق بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني وأُسَر المفقودين، وتبادل المعرفة حول آليات البحث وعمليات تحديد الهوية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتوحيد الجهود عبر الولايات القضائية المعنية، وضمان أن تنعكس احتياجات ومخاوف العائلات في السياسات والإجراءات العملية.
تعتبر قضية المفقودين والمخفيين قسرًا في سوريا من القضايا الإنسانية الأساسية لما لها من بُعد يتعدّى حدود الدولة السورية إلى العالم، فالمفقودون السوريون تخطوا الإطار الجغرافي ليتعدوه إلى دول العالم حيث فُقِد الكثير منهم أثناء هروبهم من قمع النظام الأسدي في البحار والدول التي لجأوا اليها، إذ يتخطى عدد المفقودين السوريين الثلاثمئة ألفًا ويمكن أن يرتفع إلى أكثر من ذلك.
إنَّ ما حصل في موضوع متابعة ملف المفقودين السوريين داخليًا ودوليًا هو المدماك الأساسي لمشروع يقوم على ركائز العدالة الانتقالية، ويبتعد كل البُعد عن النموذج اللبناني. وتبقى العبرة في التنفيذ على أمل ألا تدخل زواريب السياسة الدولية والإقليمية في هذا الشأن ولا يولد عفو في سوريا يقضي على أهم نقطة في مدماك بناء سوريا الحديثة وهي الخروج الفعلي والحقيقي للبلاد من تبعات الحرب وإقفال تلك الملفات بالطريقة الصحيحة ليبقى الأمل والمستقبل والمصالحة أساس البنيان السوري للأجيال القادمة.