
لم تكن تجربة الاعتقال في سوريا، سواء قبل عام 2011 أو بعده، واحدةً يمكن فهمُها ضمن منطقِ الضبط التقليدي. فبالنظر إلى حجم الاعتقالات الذي طالَ مئات آلاف الأشخاص وأخذ اشكالًا مهولة مع بدء الثورة، وانتشار الإخفاء القسري، وطبيعة السجون وفروع المخابرات، إضافة إلى ما راكمَه أدب السجون السوري وشهادات المعتقلين، يتضحُ أنَّ السجن لم يكن فضاءً مغلقًا يُعزلُ فيه «المعارضون» أو «المنحرفون»، بل كان جزءًا من جهاز حُكم أوسع، يعمل على إعادة تشكيل المجتمع مِن الخارج عبر الخوف، الصمت، الطاعة والفضيحة والإذعان المطلق.
كان الاعتقال سياسةً بُنيوية استُخدمت لإعادة إنتاج السلطة وفق آليات الخوف والإرهاب، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالسجن، في الحالة السورية، لم يؤدِّ وظيفة احتجاز الأجساد فحسب، بل أسهم في إعادة هندسة المجال العام نفسه، عبر تحويل الخوف إلى حالة جماعية، وإفراغ السياسة من مضمونها، وتحويل الصمت إلى شرطٍ للبقاء.
العشوائية وعدم القابلية للتنبؤ هما أبرز سمات التجربة السورية في الاعتقال. فبحسب تقارير حقوقية متعددة، شملت الاعتقالات ناشطين سياسيين، متظاهرين سلميين، صحافيين، أطباء، إلى طلاب وعمال وأشخاص وأطفال اعتُقلوا بسبب قرابة عائلية أو وشاية عشوائية. هذا الاتساع حوّل الاعتقال من أداةٍ تستهدف الخصوم السياسيين إلى آلية تطال المجتمع ككل. ورغم ما يمكن أنْ يُقال عن الخطأ والعشوائية في هذا المجال، إلا أنه يجب النظر إلى هذه العشوائية كسِمة أساسية من سِمات النظام، بحيث يكونُ من الضرورة عند المواطنين الابتعاد عن الاحتمالات القائمة لأن يصيبَ أي أحد هذا الأمر، وذلك من أجل أن يتعمقَ الصمتُ أكثر.
وبطبيعة الأحوال حملت الأرقام الكبيرة للمعتقلين دلالاتٍ سياسية عميقة. فعندما يصبح مئات آلاف الأشخاص عرضة للاختفاء أو الاحتجاز، فإنَّ السجن يتجاوز وظيفته القانونية أو الأمنية ويتحوّل إلى أفق دائم يخيّم على الحياة اليومية. لا يعود السؤال: «من هو المعارض؟» وكيف يتم تعريفه وما هو شكله وتوجهاته وصفاته، بل يصبح السؤال المقلق: «من التالي؟».
يحمل التحوّل من الاعتقال الانتقائي إلى ذاك الواسع حالةً من اللايقين البنيوي، بحيث لم يعد بالإمكان رسم حدود واضحة بين المسموح والممنوع. ويحوِّل المسار السياسي من ميدان المصلحة إلى الميدان الذي يكون فيها الحّل الوحيد هو خلق الرضى عند كل من يُشَك بأنه يمتلك إمكانية للتواصل مع الجهات الذي تحمل مفاتيح الاعتقالات؛ وبهذا المعنى، لم يعد الاعتقال أداة للمعاقبة على أفعال محددة، بل وسيلة لإنتاج حالة دائمة من القلق الجماعي والإذعان.
تكشف شهاداتُ المعتقلين السابقين، كما تظهر في أدب السجون السورية، عن طبيعة مختلفة للسجن بوصفه تجربة وجودية لا تنتهي عند بوابة الإفراج. فالاعتقال لا يُروى بوصفه حدثًا مؤقتًا، بل ككسر جذري لمسار الحياة، وتفكيك للزمن، ومحو للحدود بين الأيام، فيتحوّل الجسدُ إلى موضوع دائم للعنف والإذلال واستنباط صور مبتكرة من التعذيب. هي رسائل دائمة إلى من هم خارج السجن، بأنَّ الجحيم هناك «فابتعدوا عن إمكانياته ولا تكونوا جزءًا من حطبه واسلموا من شرّه المطلق». هنا لا يظهر السجن كمؤسسة عادية، أنما كمركز أساسي من مراكز خلق المعنى خارجه، فيعيش المعتقلون أقسى التجارب اللاإنسانية ويعيش من هم خارجه طيفًا لا نهائيًا من الشرور إذا اقتربوا منه. السجن في هذا المجال يقوم بتدمير ذوات المعتقلين داخله ويشكِّل الذوات الممكنة للناس خارجه. يُجرَّد المعتقل من اسمه، يُنادى برقم، تُسلب قدرته على التنبؤ، ولا يعرف سبب اعتقاله أو مدته ولا مصيره. هذا الغياب المنهجي للمعلومة لا يقل أهمية عن التعذيب الجسدي نفسه، إذ يحوَّل الاعتقال إلى تجربة من اللايقين المطلق في الداخل. وتجربة من اليقين المطلق في الخارج، «السجن جحيم».
ويُقصَد في هذا المجال ألّا تبقى تجربة السجن حبيسةً داخله. فالمعتقل المُفرج عنه يحمل معه آثارها إلى الخارج: الصمت، الخوف، العزلة، والشعور الدائم بالتهديد. وبهذا، يصبح السجن آلية تنتج ذواتٍ مكسورة أو منسحبة من المجال العام.
إذا كان السجن مؤسسة مرئية نسبيًا، فإنَّ الإخفاء القسري يمثل شكله الأكثر راديكالية. فالإخفاء لا يعني فقط احتجاز شخص دون محاكمة، بل تعليق وجوده القانوني والاجتماعي بالكامل. لا يُعرَف إنْ كان حيًا أو ميتًا، ولا يُعترف به كمعتقل، ولا يُتاح لأسرته أي مسار قانوني.
تؤدي هذه السياسة وظيفة مزدوجة: فهي تعاقب الفرد، لكنها في الوقت ذاته تعذِّب الجماعة المحيطة به وتُوسعها إلى أبعد مجال. تعيش العائلة في حالة انتظار دائم، بين الأمل واليأس، ما يوجِِد دائرةً ممتدة من الألم والخوف. وهكذا، يتحوّل الإخفاء القسري إلى أداة لإنتاج الصمت الجماعي، إذ تصبحُ المطالبة أو السؤال خطرًا بحد ذاته وتخلق شكلًا من أشكال المطالبة هي في طبيعتها شكل من أشكال الإذعان والإحراج والتطبيع مع حالة السُلطة المُطلقة للنظام.
من هنا، يمكن القول إنَّ السجن لم يعد محصورًا في مكان محدد، بل تمدّد ليشمل العائلة، الحي والمجتمع ككل. فأي شخص يصبح مختفيًا قسريًا محتملًا يعيش في ظل تجربة الاعتقال، حتى دون أنْ يدخل السجن فعليًا.
تُظهر هذه المعطيات أنَّ وظيفة السجن في سوريا في ظل النظام السابق لم تكن إنتاج الطاعة عبر الضبط أو القوانين، بل عبر الرعب واللايقين واستنباط الاحتمالات المرعبة واللامعقولة من القتل والتفنُّن في التهذيب. فالدولة لم تسعََ إلى تنظيم المجال العام، بل إلى تفكيكه لصالح مركزية الولاء المطلق. وهي بالتالي لم تُنتج مواطنين منضبطين، بل أفرادًا مرعوبين، منسحبين، أو صامتين.
يتجلّى ذلك في تآكل الفضاءات العامة: اختفاء النقاش السياسي، انحسار العمل الجماعي وانكفاء الأفراد إلى دوائر ضيقة من الثقة. فحين يصبح التعبير مخاطرة، والصمت استراتيجية بقاء، يتحوّل الخوف إلى بُنية اجتماعية، لا مجرد شعور فردي.
ليس المهم عدد من هم خلف القضبان فحسب، بل عدد من هم خارجها ويتصرّفون كما لو كانوا تحت المراقبة الدائمة وإمكانية القتل الدائم، او أن يصبحوا مجهولي المصير.
يلعب أدب السجون السوري دورًا محوريًا في وظيفة الاعتقال البنيوية هذه. فالنصوص السِجْنية لا تكتفي بسرد المعاناة، بل تُعيد بناء التجربة بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية من خلال اليوميات، الشهادات، والروايات ليتحوّل السجن إلى مرآة تكشف طبيعة الحُكم نفسه. يُبرز أدبُ السجون أنَّ التعذيب ليس نتيجة أفراد متجاوزين، بل ممارسة منظَّمة؛ وتُظهر أنَّ تشابه الأحداث بين سجن وآخر يجعلها جزءًا من نظام كامل.
ومن المهم في هذا المجال ذكرُ أنَّ الشهادات بحد ذاتها، حتى لو اتخذت أشكال الصناعة الأدبية من كتب ومنشورات وغيرها، فإنها يمكن أن تبقى أسيرة السردية التي يريد السجّان إرسالها من طريق بث الرعب في نفوس مَن هم خارج السجن إذا لم تتحول إلى أداة للمحاسبة، حتى لو كان ذلك على المستوى المعنوي.
وبذلك، يشكّل أدب السجون ذاكرةً مضادة، ويعيدُ الاعتقال إلى مركز إدارة السياسية في «الدولة السورية»، لا كملف حقوقي فقط، بل كبُنية حُكم.
يلعب أدب السجون السوري دورًا محوريًا في وظيفة الاعتقال البنيوية هذه. فالنصوص السِجْنية لا تكتفي بسرد المعاناة، بل تُعيد بناء التجربة بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية من خلال اليوميات، الشهادات، والروايات ليتحوّل السجن إلى مرآة تكشف طبيعة الحُكم نفسه. يُبرز أدبُ السجون أنَّ التعذيب ليس نتيجة أفراد متجاوزين، بل ممارسة منظَّمة؛ وتُظهر أنَّ تشابه الأحداث بين سجن وآخر يجعلها جزءًا من نظام كامل.
ومن المهم في هذا المجال ذكرُ أنَّ الشهادات بحد ذاتها، حتى لو اتخذت أشكال الصناعة الأدبية من كتب ومنشورات وغيرها، فإنها يمكن أن تبقى أسيرة السردية التي يريد السجّان إرسالها من طريق بث الرعب في نفوس مَن هم خارج السجن إذا لم تتحول إلى أداة للمحاسبة، حتى لو كان ذلك على المستوى المعنوي.
وبذلك، يشكّل أدب السجون ذاكرةً مضادة، ويعيدُ الاعتقال إلى مركز إدارة السياسية في «الدولة السورية»، لا كملف حقوقي فقط، بل كبُنية حُكم.
تبيّن هذه القراءة أنَّ السجن في سوريا لم يكن مؤسسة هامشية أو استثنائية؛ فمن خلال الاعتقال الجماعي، والإخفاء القسري، وتعويم الخوف في المجتمع، أعادَ النظام تشكيل العلاقة بين السُلطة والمجتمع على أساس الرعب واللايقين. لم تُنتَِج الطاعة عبر القوانين أو المؤسسات، بل عبر تحطيم المجال العام وإفراغ السياسة من معناها. وبهذا المعنى، لم يكن السجن مكانًا مغلقًا فحسب، بل جهازًا مفتوحًا أعاد هندسة الخارج، وجعل من الخوف لغة حكم، ومن الصمت ممارسة يومية.
إضافة إلى ذلك، من المهم أنْ ندرك أنَّ هذا الإنتاج للحالة السياسية ليس وليدَ نظام الأسد وحده. فالتشابه في المصطلحات والأساليب بين السجون السورية والأنظمة السِجنية النازية و«داعش» أو سجون أنظمة قمعية أخرى في العالم العربي يوضح أنَّ احتمالات إعادة إنتاج هذه الممارسات قائمة دائمًا. إنَّ أي محاولة لبناء سُلطة عادلة وشرعية في سوريا يجب أنْ تنطلق من الوعي بأنَّ هذه الممارسات قد تُستعاد، لا سيما في ظل بيئة يطغى عليها منطق الانتقام، وانحسار سياسات العدالة الانتقالية، وهو ما يمثل جزءًا من آليات عمل النظام الجديد.
بذلك، يصبح فهم السجون السورية أكثر من مجرد توثيق لمعاناة المعتقلين؛ إنه كشف صريح لمنطق الحُكم ذاته، حيث يتحول العنف من كونه أداة طارئة إلى لغة سياسية مؤسسة، تتجاوز الزمان والمكان، وتشكل اختبارًا دائمًا لأي مشروع دولة عادلة ومستقرة.