هل عادت «ثكنة فتح الله» الواقعة في شارع فتح الله، أحد أزقة منطقة البسطة الفوقا المؤدية الى برج ابو حيدر الى حضن «حزب الله»؟
الاجوبة متضاربة في هذا الشأن ولا معلومات أكيدة تفيد ما اذا كانت الثكنة تحولت من جديد الى معقل عسكري من معاقل الحزب. الأكيد أن الجيش اللبناني وبعد تعرضه لمضايقات، أخلى «ثكنة فتح الله» في الخامس من الشهر الحالي، وفق ما اجمعت عليه معظم وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة. والأكيد ايضا ان الثكنة تعرضت لقصف مركز في الخامس من مايو (أيار) بقذائف الـ «آر. بي. جي» ولرشقات الاسلحة الرشاشة. والاكيد ايضا ان عناصر من «حزب الله» وضعوا أيديهم اثر ذلك على المكان واستخدموه لـ«أغراض حربية» ـ كما يفيد أهالي المنطقة. ويمنع على أية وسيلة اعلامية الاقتراب من المكان، لا سيما اذا كان مراسل هذه الوسيلة مزودا بآلة تصوير، اذ يتم فورا اعتراضه وسؤاله عن سبب وجوده في المكان والطلب اليه ومن دون بذل أي محاولة للياقة بالذهاب فوراً وإلا...
لكن قبل الاستفاضة في التنقيب عن حاضر «ثكنة فتح الله» وعلاقة «حزب الله» المستجدة بها، لا بد من العودة الى الماضي الذي لا يحتاج الى جهد كبير ليصار الى استرجاعه. فاللبنانيون عموما وأهالي بيروت خصوصا، وتحديدا اهالي منطقة البسطة وبعض أهالي المفقودين يعرفون جيدا أبعاد الحديث عن «ثكنة فتح الله». فالمعروف أن هذا المكان، الذي كان مرآبا للسيارات بعدة طوابق تحت الارض، شكل في الثمانينات من القرن الماضي مقرا عسكريا لـ«حزب الله» حيث كان مقاتلوه يتولون تنفيذ بعض «المهمات الخاصة». وبحسب افادات ذوي عدد من المفقودين انهم نقلوا فور خطفهم الى «ثكنة فتح الله» ثم جرى نقلهم الى سورية. من هؤلاء اوديت سالم التي اختطف ولداها، ريشار وكريستين، اللذان لم تنجب غيرهما، قبل 23 عاما. قالت في حديث سابق لـ«الشرق الاوسط» انها كانت تتوجه كل يوم الى «ثكنة فتح الله» لتسأل عن ولديها. واحيانا كانت تحمل الى سجانيهما الحلويات ليطمئنوها عن أحوالهما بانتظار الافراج عنهما. وبعد فترة أخبروها انهم نقلوهما الى ثكنة «الشيخ عبد الله» في بعلبك. وتابعت محاولة تنسم اخبارهما وحمل الحلوى الى السجانين الجدد حتى انقطعت هذه الاخبار. كما كانت مجلة «الشراع» قد نشرت في 6/1/2007 أن فاطمة الزيات سلمت ولديها غسان وفادي فخر الدين عبدو منذ 22 سنة للحاج مصطفى الديراني بعدما طلب اليها ذلك، بحجة التحقيق معهما لمدة نصف ساعة فقط وما زالت تنتظر عودتهما. ولدى مراجعتها الديراني عن مصيرهما في ذلك الحين، أجابها بـ«الحرف الواحد: طارَا من يديَّ لأنني سلمتهما الى حزب الله». وأضافت أنها بقيت تزورهما لمدة ثلاث سنوات لأنهما كانا في «ثكنة فتح الله» في البسطة الفوقا، وكان يأخذها الى هناك عماد مغنية وعبد الهادي حمادة ومصطفى الديراني، وبعد ذلك لم تعد تعرف عنهما شيئا.
فـ«ثكنة فتح الله» كانت المكانَ الأبرزَ للاختفاء و«الغيبة» في تاريخ الحرب اللبنانية. وغالبا ما كان يربط مصير من دخلها بمصير الدبلوماسيين الايرانيين الاربعة الذين اختطفتهم «القوات اللبنانية» عام 1982، ذلك ان عمليات الخطف التي نشطت ولسنوات بعد هذه الحادثة كانت تسعى وفق الجواب الموحّد «غير الرسمي» الذي كان يعطى لأهالي المفقودين من قبل مسؤولي الحزب آنذاك، ان تتم مقايضة المخطوفين بالدبلوماسيين الاربعة. ومعروف ان الحزب كان «يشتري» خدمات عناصر من «الحزب التقدمي الاشتراكي» ومن حركة «أمل» للحصول على أكبر نسبة من «الرهائن». لكن التاريخ طوى الصفحة «الحزبوية» لـ«ثكنة فتح الله» مع اقتحام القوات الخاصة في الجيش السوري الثكنة وإلقائها القبض على جميع عناصرها، إضافة الى بعض المارة ممن لا حول لهم ولا قوة. وألزمتهم بتوجيه وجوههم نحو الجدران وقيدت ايديهم الى الخلف ثم عمدت الى اطلاق النار عليهم، فقتلت 22 عنصراً من شباب الحزب. ونجا من هذه المجزرة عنصر واحد ظنته القوات السورية ميتاً فخرج على نقالة الاسعاف ليروي حقيقة ما جرى. وقيل في حينه ان القوات السورية تركت هذا العنصر حياً عن قصد لكي يرمي الرعب في نفوس المقاتلين. وذكرت مجلة «الشراع» «ان اثنين من قياديي المنطقة يومها وهما مصطفى شحاده (آمر مجموعة في حركة فتح سابقاً) وفؤاد مغنية (شقيق مسؤول العمليات الخارجية في «حزب الله» والمنسق العام بين الحرس الثوري الايراني والحزب) تركا المنطقة و«ثكنة فتح الله» قبل اقتحام القوات الخاصة السورية لها. ولاحقاً اغتيل فؤاد، الذي أصبح مسؤول أمن «حزب الله» في بيروت الغربية، بواسطة عبوة ناسفة وضعت في محفظة تركت وراء مقعده في محله. واتهم بالعملية احمد الحلاق الذي هرب الى فلسطين المحتلة وتم اعتقاله ثم محاكمته وإعدامه.
هذا في الماضي. ماذا عن الحاضر؟ العابرون قرب «ثكنة فتح الله» خلال الايام العشرة التي تلت السابع من مايو (ايار) يروون انها تحولت لثكنة عسكرية لـ«حزب الله». وقد كتبت على أحد جدرانها عبارة «بيروت خط أخضر». القريبون من الحزب لا ينفون هذا الأمر. ويقولون انه كان لا بد من وضع اليد على المكان حتى لا يستولي عليه «تيار المستقبل». شهود عيان من المنطقة يقولون ان كل من ألقي القبض عليه في محيط الثكنة تم اعتقاله وتأديبه فيها. الجيران يحكون همساً عن أصوات التعذيب التي لا تزال تسمع ليلا. لكن القريبين من الحزب ينفون ذلك. ويؤكدون أن المكان أصبح خالياً بعد ازالة المظاهر المسلحة. الأمر صحيح ظاهرياً. فالأبواب مقفلة بسلسلة معدنية. لكن السؤال عما يجري في الداخل ممنوع، وكذلك التجول في محيط المكان مع آلة تصوير.